السعيد شنوقة
168
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
شرحوا : وليست الأصوات المقطعة أمرا زائدا على الحروف المنظومة وليس معنى القول « الحروف » يقتضي أن لا يكون الحرفان كلاما ، لأنه من الكلام أن نقول : قل ومرّ وكل . وذكروا أن الأولى في حدّ الكلام القول : « هو ما انتظم من حرفين فصاعدا أو ما له نظام من الحروف مخصوص » « 1 » . وبينوا أن القول : ق ، ع : كلام ، لأنهما يشكلان مع هاء السكت حرفين : قه ، عه . وقد نص العرب في لغتهم على لزوم البدء بالمتحرك ولزوم الوقف على الساكن عند النطق . ولا بد من أن نقول إن علماء الكلام لم يختلفوا في أن الله تعالى متكلم وله كلام ، وأن القرآن وسائر الكتب المنزلة كلامه بل الخلاف بينهم في طبيعة الكلام الإلهي هل هو قديم أو محدث ؟ وهل القرآن مخلوق أو لا ؟ وأبرز مواقف المختلفين في هذا الموضوع موقفا الأشاعرة والمعتزلة . قال الأشاعرة : كلام الله معنى قائم بذاته أو بنفسه ، ولما رأوا القول بأن المتلو في المحاريب والمكتوب في المصاحف هو حكاية لكلام الله عز وجل يقتضي أن يكون كلامه أيضا محدثا وأصواتا وحروفا باعتبار أن الحكاية من جنس المحكي ، لهذا قالوا : كلام الله تدل عليه العبارات ، وما يصطلح عليه من الإرشادات . قال الباقلاني ( ت 403 ه ) في قوله عز وجل : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزخرف : 3 ] معناه : « إنا جعلنا العبارة عنه بلسان العرب ، وأفهمنا أحكامه ، والمراد به باللسان العربي » « 2 » ، ثم نفي في موضع آخر أن يكون الكلام حروفا وأصواتا ، وإنما هو معنى قائم بالنفس يعبر عنه بهذه الأصوات المسموعة تارة وبغيرها أخرى « 3 » محتجا لهذا الرأي بقوله تعالى : وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [ المجادلة : 8 ] قوله تعالى : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ [ الرعد : 10 ] ، ويقول العرب : في نفسي كلام أريد أن أبديه لك . ويقول الأخطل « 4 » : ( طويل )
--> ( 1 ) م ن ، ج 2 ، ص 196 . ( 2 ) كتاب التمهيد ، الباب العشرون المسألة 421 . ( 3 ) انظر ، م ن ، مسألة ، 423 والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 200 . ود . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 79 وما بعدها . ( 4 ) انظر إمام الحرمين ، كتاب الإرشاد ، ص ، 48 وفي الديوان « لفي الفؤاد وإنما » دار المشرق ، ط 2 ، لبنان ، ص 508